الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

322

مناهل العرفان في علوم القرآن

عن أن يقال عنهم : إنهم يكذبون أولا يتحرون في كتاب اللّه وسنة رسول اللّه « سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ » . العامل العاشر سموّ تربية الصحابة على فضائل الإسلام كلها ، وكمال تأدبهم بآداب هذا الدين الحنيف وشدة خوفهم من اللّه ، وصفاء نفوسهم إلى حدّ لا يتفق والكذب خصوصا الكذب على اللّه تعالى ، والتجنّى على أفضل الخليقة صلوات اللّه وسلامه عليه . يقول علماء الأخلاق والمشتغلون بعلم النفس وعلوم الاجتماع : إن الكذب جناية قبيحة ، لا يمكن أن يصدر إلا عن نفس ساقطة لم تتأدب ، ولا يتصور أن يفشو إلا في شعب شاذ لم يتهذب . ونحن إذا استعرضنا تاريخ الصحابة - رضوان اللّه عليهم - نشاهد العجب في عظمة تأديب الإسلام لهم ، وتربيته إياهم تربية سامية جعلتهم أشباه الملائكة يمشون على الأرض ، لا سيما ناحية الصدق والأمانة ، والتثبت والتحري والاحتياط . وذلك من كثرة ما قرّر القرآن فيهم لهذه الفضائل ، ومن عناية الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بهم علما وعملا ومراقبة ، حتى أصبحوا بنعمة من اللّه وفضل منطبعة قلوبهم على هذه الجلائل ، متشبعة نفوسهم بمبادئ الشرف والنبل ، تأبى عليهم كرامتهم أن يقاربوا الكذب أو يقارفوا التهجم . لا سيما التهجم على مقام الكتاب العزيز ، وكلام صاحب الرسالة صلّى اللّه عليه وسلّم . قالت عائشة رضى اللّه عنها : « ما كان خلق أشدّ على أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من الكذب . ولقد كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يطّلع على الرجل من أصحابه على الكذب فما ينجلى من صدره حتى يعلم أنه أحدث توبة للّه عزّ وجلّ » رواه مسلم في مقدمة صحيحه .